الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

465

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

فقلت : إن الفقهاء يقولون : كذا وكذا . فقال : وهل رأيت فقيهاً بعينك ، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا البصير بدينه ، المداوم على عبادة ربه عز وجل » . وكان أبو طالب المكي يقول : « علماء الدنيا أي الفقهاء قعدوا على طريق الآخرة ، فلا هم نفذوا ، ولا تركوا العباد يسلكون إلى الله عز وجل » « 1 » . وكان يشبههم بالقبور ظاهرها عامر وباطنها عظام موتى . وكان الغزالي وهو الفقيه الأصولي الكبير يقول : « صارت كلمة الفقه إلى تفريقات الطلاق ، وصور الإيمان والعتق المفروضة ووجه السلم وغير ذلك مما لا يحصل به انذار ولا تخويف ، بل مما كان التجرد له والاكثار منه وحفظ المقالات المتعلقة به يقسي القلب وين - زع الخشية منه ، صارت إلى هذا بعد أن كانت عنواناً على معرفة دقائق النفس ومفسدات الأعمال ، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة مع امتلاء القلب بخوف الله ورجائه » . وكان أبو العباس يقول : « شاركنا الفقهاء فيما هم فيه من علم ولم يشاركونا فيما نحن فيه من عبادة وأخلاق » . ورجال الفقه من ناحيتهم نظروا فرأوا أن التصوف كلمة عامة غير محددة بالحدود التي تتحدد بها العلوم ، وان المحراب الصوفي قد امتلأ بطوائف شتى من بينها الدخيل والأصيل . كما شاهدوا بأعين فزعة ، جزعة المتصوفة يكونون لأنفسهم علوماً ومعارف من إلهامات الروح ومعارج القلوب ، وأنهم قد ابتدعوا فنوناً في المحبة الإلهية وما تحتوي عليه هذه المحبة من وجد وشوق وجذب وفناء وسر وأسرار ، ومبتكرين أيضاً الواناً أخلاقية في الذكر والخلوة والمناجاة ، ومثاليات تطوف حول عبادات أوجبوها على أنفسهم فوق الفرائض

--> ( 1 ) - الشيخ أبو طالب المكي قوت القلوب ج 1 ص 141 .